ألوان الأطعمة والتحكم في الشهية
أ.د. إبراهيم عبد الباقي أبوعِيانة
أستاذ علوم الأغذية
تشترك أربع حواس (النظر والشم والتذوق واللمس) في تقيم جودة الطعام، وقد تصرفك عنه أو تجذبك إليه، لكن النظر له نصيب الأسد في اِشتِهاء الطعام أو الزهد فيه، فبمجرد رؤية الطعام بلونه الجذاب المُحبب تشتعل خلايا عصبية خاصة تنبه المعدة فتزيد رغبة تناوله والتهامه، أو تنطفئ جَذْوَة الرغبة إذا حمل الطعام لوناً غير مألوف يدل على عدم جودته.
العين هي العضو الأول الذي لابد أن يقتنع بجودة الغذاء وقابليتة واشتهاؤه (العين تأكل قبل البطن) وهذا يقودنا لفشل العديد من منتجات الأغذية فى التسويق ليس بسبب رداءة طعمها أو نكهتها أو فسادها أو قلة قيمتها الغذائية بل لرداءة لونها. فمثلاً من الصعب أن يحاول المستهلك تجريب غذاء لونه أزرق، لكن درجات اللون الأخضر والأحمر والبنى والألوان الأخرى مقبولة غذائياً، وهذا يَحكُمُة ثقافة الأفراد والشعوب.
اُستخدم اللون من القِدم لتعزيز استساغة الطعام وقبوله، فقد لَوّنَ المصريون القدماء والرومان النبيذ بالأعشاب والتوابل لجعله أكثر جاذبية، وفي أواخر القرن التاسع عشر تطورت الألوان الاصطناعية لاستخدامها تجارياً في معظم الأغذية بغرض التزين أو إخفاء رداءة الجودة، لكن انخفضت أعدادها من 700 الى 9 ألوان بسبب سميتها.
للألوان أهمية عظيمة في اختيار الطعام، فهي: تدل على جودة الطعام وصلاحيته أو فساده وهل الفساد في بدايته أم بلغ ذروته. تقترح الألوان النكهات المتوقعة عند تناول الطعام أو الشراب. فمشروب برتقالي مشرق مُتوقع أن يعطي نكهة البرتقال المنعشة. وآخر أحمر متوقع أن يكتسي بنكهة الفراولة أو الكرز. وعلى النقيض قد تشير الألوان الباهتة للمشروبات إلى تدني جودتها وفقدان جاذبيتها.
نتيجة التطور التقني الحادث في العقدين الأخيرين على صناعة الأغذية بهدف انتاج أغذية جذابة بصريًا ذات طعم ونكهة مميزين بلغ سوق الاستثمار في مركبات تلوين الأغذية في العام 2012 م قرابة 5.3 مليار دولار.
للتدليل على أهمية الألوان وارتباطها بالذوق عمدت شركة منتجة للكاتشب لإنتاج كاتشب متدرج الألوان يُشبه قوس قزح لترغيب الأطفال إلا أنه فشل فشلاً زريعاً، وعند إنتاج بيبسي خالي من الكولا أو الكافيين لم يقبل عليه المستهلك. هذا يدل على أن ارتباط اللون بالطعم والنكهة بقابلية المستهلك.
وفى دراسة أجريت فى جامعة واشنطن بعنوان " كيف يتأثر مفهوم تذوق الطعام حسب اللون؟". خلصت الدراسة أن الناس تربط بشدة بين الطعم واللون فعند إخفاء اللون قد يختلط الأمر على تحديد نوع الطعام أو الشراب.
لون الطعام وزيادة الشهية
يؤثر لون الغذاء على شهية الفرد ورغبته في تناول الطعام وكميته؛ وهي حالة نفسية يستغلها القائمون على صناعة الغذاء؛ حيث يشعر الفرد أثناء تناوله للطعام ذو اللون المُحبب له بالراحة والتلذذ والمتعة والإشباع في ذات الوقت.
تسهم ألوان الأغذية في زيادة الوزن لدى بعض الأفراد الذين يفتقرون القدرة على التحكم في أنفسهم، فكثيرا ما تُثير الألوان الجذابة للأغذية شهية الفرد مما يجعله يتناول أضعاف احتياجاته.
كما أن لِلَون الغذاء أثراً عاطفياً نفسياً فسيولوجياً يؤثر بالطبع على مدى كفاءة عملية الهضم. كذلك حالة الفرد النفسية والمزاجية تؤثر على تَقَبُّل أو رفض ألوان محددة في الأغذية.
وتشير نتائج الدراسة التي قام بها مجلس الألبان الدنماركي إلى أن اللون ومدى تنوعه بالإضافة الى نكهة الغذاء له دور أساسي في الشهية والكميات المتناولة من الغذاء وبالتالي يؤثر على سمنة الأفراد؛ نتيجة لتعطيل القدرة الإدراكية للإحساس بالشبع جزئياَ أو بصفة مؤقتة.
ولعل غياب الأغذية المحمرة في الأنظمة الغذائية ""Diet وسيادة الأغذية المسلوقة ليس فقط لزيادة سعرات المُحمرة الحرارية بل للحد من الرغبة في تناول الزيادة من الطعام والحد من الشهية.
إن ألوان الأغذية وجاذبيتها يرتبطان ارتباطاً وثيقاً؛ فرؤية الطعام المحبب بلونه المثالي تُشعل الخلايا العصبية في منطقة ما تحت المهاد Hypothalamus، فتنبه المعدة لإشعار الفرد بالجوع والنهم لكن عند تناول الطعام فى الظلام فإنه يفقد عنصراً هاماً وهو مظهر وجاذبية الغذاء المرتبط بالطبع باللون. فلعل ألوان الطعام الشتوية (الموالح، التفاح، البنجر، الموز....) ألوانها كلها مثيرة ومحفزة للشهية فالجسم احوج ما يكون للطاقة.
تأثير الألوان المختلفة علي زيادة الشهية:
الألوان الدافئة مُحَفّزة ومثيرة للشهية. فالأحمر في الأغذية محفز للشهية بشدة وله تأثير رافع لضغط الدم ومعدل ضربات القلب. وغالبا ما يُنتج مشاعر الألفة، والطاقة، والعاطفة، فلذا مناسب لصالات الطعام في الفنادق والمطاعم وكذلك لغرف الطعام في المنزل.
الأصفر يُشبه الأحمر فهو يرتبط مع الطاقة والسعادة. (الجمع بين الأحمر والأصفر يضاعف التحفيز للشهية وربما يظهر أثر ذلك جلياً في انتشار العلامة التجارية على31000 موقع ماكدونالدز في جميع أنحاء العالم) وليس لأنها تُثير الشهية وفقط، بل ثبت أنها تزيد سرعة تناول الطعام. أما البرتقالي وهو ابن عم الأحمر فهو الأقرب منه اثارةً للشهية ويجعل الطعام أكثر جاذبية.
يستهلك الإنسان اللون الأبيض بكثرة، كالسكّر والملح والخبز الأبيض والكوكيز والشوكولا وكلّ المصادر التي تدخل في تركيبتها هذه المواد البيضاء غنيّة بالوحدات الحرارية، ويتمّ تناولها بلا وعي لأنّ الدماغ يعتبر تلقائياً أنّ كلّ ما هو أبيض هو لذيذ. أمّا في حال استعمال الأطباق البيضاء، فإنّ النتيجة تختلف كلّياً بما أنها تعمل على تقليص الشهيّة لانعدام الجاذبيّة لكنه قد يظهر جاذبية الطعام فيه مما يثير الشهية.
ألوان تكبح الشهية
كما أن هناك ألوان تثير الشهية فهناك أيضاً ألوان تكبح الشهية وتلجمها؛ فاللون الأزرق يُعد من أوائل الألوان الأقل فتحاً للشهية والمثبط لها؛ فهو مهدئ بصفة عامة ويبطئ تناول الطعام ويزيد الارتخاء ويُثير الرغبة في النوم. ففي دراسة أجريت على 3 مجموعات قُدمت لهم نفس الوجبات في غرفة زرقاء وحمراء وصفراء، تناولت المجموعة بالغرفة الزرقاء %33 أقل مما تناوله المتواجدين في الغرفتين الآخرتين.
كذلك اللون الرمادي المعروف بحيادتيه وتأثيره السلبي على جميع الألوان الأخرى يرتبط عادةً بفقد الأغذية نضارتها؛ لذا فهو يقتل الشهية للطعام والإثارة لالتهامه.
يرتبط اللون الأسود عادة بالتعفن والتحلل وبالتالى فهو لا يثير الشهية والعاطفة نحو التهام الطعام حيث أنه يمتص كل الطاقات المتواجدة حوله لذا فهو مثبط للرغبة في إثارة الطعام للشهية كما يميل للرسمية وتناول الطعام بحذر.
قد تستغرب أن اللون البنى (وهو لون شرائح اللحم والشكولاتة والخبز الطازج..) أنه مثبط للشهية، لكن علمياً عند استخدام هذا اللون كخلفية للطعام يسبب نقص الطاقة مما يسبب وتيرة تناول الطعام حيث يزيد الإحساس بالشبع ويقلل الافراط في تناول الطعام.
اللون الأرجواني لون قوى يغذي الخيال ويثير التفكير لكن نادراً ما يتواجد في الاغذية باستثناء الباذنجان والملفوف (الكرنب) الأرجواني وبعض أصناف العنب لذا لا يرتبط في عقلنا الباطن بالطعم الحلو فلذا فهو لا يثير الشهية بدرجة عالية.
اللون الوردي غير مرغوب عادةً فكل الأغذية التي تتحلّى به، كالمارتديلا واللحوم المعلّبة أو المثلّجة، تكون ورديّة جداً، فتوحي على تشبعها بالملوّنات الصناعية والحافظة، مما ينبه المستهلكين بالابتعاد عن هذه المنتجات المشكوك في طبيعتيها.
الألوان والحِمْيَةٌ (الريجيم أو الدايت)
هل سمعت عن العلاج بالألوان؟ العلاج بالألوان يؤكد تأثيرها القوى على اللاوعى فى عواطفنا ومشاعرنا. وكذلك تأثيرها على رغبتنا في الغذاء فقد تحفز الشهية أو تثبطها كما سبق وأشرنا.
هناك حيل يمكن اتباعها عند اتباع نظام غذائي بغرض إنقاص الوزن والتي تعتمد على علم نفس–الألوان؛ يمكن استخدام اللون الأزرق في أدوات المائدة وغرفة الطعام وفرش الأرضيات وضوء الثلاجة. والابتعاد عن الأحمر والأصفر والبرتقالي قدر الإمكان سواء في الأطعمة أو مكان وأدوات المائدة، أما اللون الأخضر في الأغذية فهو يوحي بالراحة والسكينة فلا هو يميل لإثارة الشهية ولا كابح لها بشدة، ويتجلى ذلك في الخضروات الطازجة والسلطات الخضراء
شجعى طفلك على تناول الطعام
أما لتشجيع المزيد من تناول الطعام فيفضل استخدام الأحمر والأصفر، لونى له الطعام بألوان طبيعية حمراء مثل عصير بنجر المائدة (الشمندر) أو عصير الجزر الفرنساوي برتقالي اللون، أو عصير البرتقال، زيني له الأطعمة بالكركم الأصفر، استعملى الكركم الأصفر في طهي الأرز (يجعله أصفر مشرق)، زينى منتجات الألبان بالفراولة أو الكرز أو المشمش والبرقوق. استعملى أدوات المائدة الحمراء البرتقالية أو الصفراء أو مزيج بينهم، وكذلك مكان تناول الطعام.
ختاماً، يؤثر لون الطعام تأثيراَ مباشراً على شهيتنا إما تحفيزا أو اعراضاً، فالأصفر والأحمر والبرتقالي من أشد الألوان إثارةً للشهية يليها الأبيض لكن يقف الأخضر محايداً، ثم يأتي البني والأرجواني مثبطان للشهية، لكن يظل الأزرق الأكثر تثبيطاً للشهية، وهذه الثلاثة الأخيرة الأكثر ملائمة لراغبي الريجيم، لترغيب الأطفال في الغذاء يجب أن نلون لهم أطعمتهم بالأحمر والأصفر والبرتقالي، وقد تٌستخدم هذه الألوان في مكان الطعام وأدوات مائدتهم.




تعليقات
إرسال تعليق